ابن رشد

221

تهافت التهافت

المسألة الثامنة في إبطال قولهم أن وجود الأول بسيط أي هو وجود محض ولا ماهية ولا حقيقة يضاف الوجود إليها بل الوجود الواجب له كالماهية لغيره والكلام عليه من وجهين : الأول المطالبة بالدليل فيقال : بم عرفتم ذلك أبضرورة العقل أو بنظر ؟ وليس بضروري فلا بدّ من ذكر طريق النظر . فإن قيل : لأنه لو كان له ماهية لكان الوجود مضافا إليها أو تابعا لها ولازما لها ، والتابع معلول فيكون الوجود للواجب معلولا وهو متناقض . فنقول : هذا رجوع إلى منبع التلبيس في إطلاق لفظ الوجود الواجب ، فإنا نقول : له حقيقة وماهية وتلك الحقيقة موجودة أي ليست معدومة منفية ووجودها مضاف إليها وإن أحبوا أن يسموه تابعا ولازما فلا مشاحة في الأسامي بعد أن يعرف أنه لا فاعل للوجود ، بل لم يزل هذا الوجود قديما من غير علة فاعلية فإن عنوا بالتابع والمعلول أن له علة فاعلية فليس كذلك وإن عنوا غيره فهو مسلم ، ولا استحالة فيه إذ الدليل لم يدل إلا على قطع تسلسل العلل وقطعه بحقيقة موجودة وماهية ثابتة ممكن فليس يحتاج فيه إلى سلب الماهية . فإن قيل : فتكون الماهية سببا للوجود الذي هو تابع له فيكون الوجود معلولا ومفعولا قلنا : الماهية في الأشياء الحادثة لا تكون سببا للوجود فكيف في القديم إن عنوا بالسبب الفاعل له وإن عنوا به وجها آخر وهو أنه لا يستغنى عنه فليكن كذلك فلا استحالة فيه إنما الاستحالة في تسلسل العلل فإذا انقطع فقد اندفعت الاستحالة وما عدا ذلك لم تعرف استحالته فلا بد من برهان على استحالته ، وكل براهينهم تحكمات مبناها على أخذ لفظ واجب الوجود بمعنى له لوازم وتسلم أن الدليل قد دل على واجب وجود بالنعت الذي وصفوه ، وليس كذلك كما سبق . وعلى الجملة ، دليلهم في هذا يرجع إلى دليل نفي الصفات ونفي الانقسام الجنسي والفصلي ، إلا أنه إذا أغمض وأضعف لأن هذه الكثرة لا ترجع إلا إلى مجرد اللفظ وإلا فالعقل يتسع لتقدير ماهية واحدة موجودة وهم يقولون : كل